لماذا تعتبر " البطالة " كابوسا في البلدان العربية بينما تعتبر أداة للتنمية و ترشيد السياسات في البلدان ذات الإقتصادات الصاعدة ؟

معدل البطالة في البلدان العربية


إنتشر مفهوم البطالة كأحد أدوات الرأسمالية التي تحكم العالم, و التي لازالت تحتضر في صمت, و منذ عقود, لعلها تجد لنفسها في كل أزمة منفذا و تجديدا لأساليب الحكم الذي سيصبح متعدد اللأقطاب في المستقبل القريب بعدما كان أحادي القطب لقرن من الزمن, ليجعلها تتأقلم بثبات مع متغيرات العصر الحديث, عصر تغيّر المفاهيم. 

فلماذا يتّهم ذلك المعطل عن العمل اليوم, من أصحاب الشهادات الجامعية و المهنية "بالبطالة" ؟ خاصة أولئك الذين طالت بطالتهم لأكثر من 5 و 10 سنوات دون إيجاد وظيفة محترمة في إختصاصاتهم ؟, و في ضلّ شبه إنعدام لمناهج و مؤسسات التأطير و التوجيه و الإحاطة و التمكين الإقتصادي ذو القيمة المضافة العالية أو تقديم منح البطالة المؤقتة للعاطلين كسائر الدول المتقدمة التي تحترم شعوبها, نوعا ما, و عوض أن يتم فتح نقاش علمي مع أصحاب القرار من الحكومات و مع المنظمات التي لا يتعدى دورها الحقيقي رغم حجمها ال10% من مجموع الأنشطة داخل البلد الواحد ؟

و بينما يتسائل العامة بين الحين و الآخر, عن المسؤولين المباشرين عن تفاقم هذه الحالة من جمود العقول في بلداننا العربية, نتيجة سوء التصرف و الرقابة و إهدار المال العام و إهمال قيمة العنصر البشري في التواصل و المشاركة الفعالة في تفاصيل الحياة الإجتماعية و الإقتصادية و حتى السياسية التي تتخذ الشباب , دون رد إعتبار, مجرّد أصوات و قواعد تتحرك عند الطلب, و في ضل إنعدام لرؤية إقتصادية تشاركية وطنية واضحة و شاملة في عديد البلدان, تطمئن الأجيال الناشئة على مستقبلهم و تظفي نوعا من الأمل المتجدد و الآمان و الحماية على مستقبل بيئات الأعمال المحلية و علاقاتها الخارجية الإستراتيجية , تعتبر البطالة في الدول و الإقتصادات الناشئة و الصاعدة كقوى إقتصادية إقليمية و دولية محركا و أداة ثانوية للتنمية و الإبتكار و مناخا سانحا لخلق الأفكار و إطلاق الشركات الناشئة و إعادة تأهيل اليد العاملة و الكفاءات في عصر الرقمنة و الأتمتة و ترشيد السياسات بشكل تفاعلي و تشاركي مع الشباب في المنتديات الرسمية و في الحوارات و البرامج في وسائل الإعلام المختلفة.

و هنا, ليس على صاحب الشهادة المعطّل حرج, و لا على الباحث و المخترع و كل إنسان مبدع يريد تحقيق ذاته وسط هذه الفوضى في التسيير و التنظيم و الإدارة حرج, في زمن تم فيه تهميش هؤلاء, على حساب تجاذبات و صراعات سياسية ليس للشعوب فيها رغيف يسمن و لا درهم يغني سوى إضاعة للوقت و لفرص التنمية الحقيقية. و كنتيجة جرّاء ذلك, فقدت الأغلبية المسالمة فيها ثقتهم في أنفسهم, و في علاقاتهم الإجتماعية, غير آبهين بمخلفّات و إنعكاسات ذلك على سلوكات الأجيال الناشئة و القادمة من أمراض نفسية و إضطرابات سلوكية كإرتفاع معدلات العنف و الجريمة, و التي بدأنا نشهد في حاضرنا المتقلّب و الضبابي بعضا منها كالإنقطاع المبكر للتلاميذ و الطلبة عن التعليم و حتى عن التفكير و الخلق و التجديد و روح المبادرة أحيانا أخرى, جيل سيطرت على عقولهم تطبيقات الهواتف الذكية, الملاذ الوحيد للشعور بالذات و لو إفتراضيا, في غياب التأطير و التوجيه العائلي و المجتمعي, و في ضلّ إنعدام لمفهوم الحكمة في التخطيط و الإستشراف و لمفهوم القيادة الرشيدة على طاولة المفاوضات و السياسات العاجلة.

لقد كان و لايزال, البحث عن تفسيرات و تحليلات جليّة لما يحدث من تغيرات و تحولات شغل الشعوب العربية الشاغل, و ذلك لما تتميز به هذه المنطقة من ترابط و تشابه في الخصائص و المقومات, الأمر الذي يجعل من حاضرها و مستقبلها يتسمان  بالإندماج في حتمية المصير أكثر فأكثر, حيث تتراوح نسب البطالة في البلدان العربية بين 2% و 35% حسب إحصائيات منظمة العمل الدولية لسنة 2019, إذ " تشكل البطالة بعيدة الأمد مصدر قلق في البلدان ذات الدخل الأدنى، و لكن فقط في أوساط الشباب القلائل الذين يستطيعون العيش وهم عاطلون عن العمل, فقد بلغت نسبة البطالة بعيدة الأمد في صفوف الشباب في أفريقيا جنوب الصحراء 48.1 في المئة محتلة بذلك المركز الثاني خلف منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا 60.6  في المئة. ".

و في دراسة أجرتها نفس المنظمة عن الإتجاهات العالمية لإستخدام الشباب سنة 2015 و زيادة الإستثمار في وظائف لائقة للشباب, جاءت عديد التوصيات منها:

[-] يجب أن تذكر إستراتيجيات تعزيز إستخدام الشباب بالتفصيل المزيج و التفاعل بين سياسات الإقتصاد الكلي و سياسات العمل و التوظيف و غيرها من المشاريع التي تستهدف بالتحديد الشباب، لا سيما الأكثر حرمانا.

[-] تساعد السياسات التي تقدم حوافز ضريبية و تدعم تنمية البنى التحتية و تضع أنظمة مواتية للشركات العاملة في قطاعات ذات إمكانات توظيف عالية في تحسين نتائج استخدام الشباب. 

[-] يفضي تنفيذ سياسات محددة و مشاريع هادفة لدعم إنتقال العمال الشباب إلى الإقتصاد المنظم إلى نتائج أفضل إذا صُممت في إطار سياسات الإقتصاد الكلي و تضمنت مشاريع تهدف إلى تحسين الشروط القانونية و الإدارية لأنشطة المنشآت التجارية، و إصلاحات للإرتقاء بنوعية فرص عمل الشباب من خلال إعمال حقوقهم في العمل, و ظروف عمل و حماية إجتماعية أفضل. 

و في إطار أجندة منظمة العمل الدولية للعام 2030 حول العمل اللائق و من أجل تنمية مستدامة, نوّهت بأن " العمل اللائق يجلب المال إلى جيوب الأفراد و الأسر الذي يمكنهم إنفاقه في الإقتصاد المحلي. و تغذي قوتهم الشرائية نمو و تنمية المشاريع المستدامة، و بخاصة المشاريع الصغرى القادرة بدورها على توظيف المزيد من العمال و تحسين أجورهم و شروط و ظروف عملهم. كما تزيد العائدات الضريبية للحكومات التي تقوم بدورها بتمويل الإجراءات الإجتماعية من أجل حماية الأشخاص غير القادرين على إيجاد وظيفة أو غير القادرين على العمل."





و في تقرير صادر له في شهر أفريل/أبريل 2020, تحت عنوان " آفاق الإقتصاد العربي" الذي يتضمن تحديثاً لتوقعات الأداء الاقتصادي للدول العربية على عدة أصعدة تشمل النمو الاقتصادي، و اتجاهات تطور الأسعار المحلية، و الأوضاع النقدية، و المالية، و التوقعات فيما يتعلق بالقطاع الخارجي في الدول العربية خلال عامي 2020 و 2021, أوضح صندوق النقد العربي أنه في المجمل، سيكون لهذه التطورات, جراء جائحة كورونا, أثراً على معدلات البطالة في الدول العربية التي من المتوقع أن تشهد ارتفاعاً خلال عام 2020 خاصة على ضوء تضرر عدد من القطاعات الاقتصادية الموفرة لفرص العمل، على رأسها قطاع السياحة الذي يسهم بنسبة تتراوح ما بين 12 و19 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عدد من الدول العربية التي تعد وجهات سياحية عالمية.

كما سوف يُعمق من أثر هذه التطورات على سوق العمل في العديد من الدول العربية تأثر نشاط قطاع المشروعات متناهية الصغر و الصغيرة والمتوسطة الذي يسهم بنحو 45 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي و نحو ثلث فرص العمل المولدة في القطاع الرسمي.




مقال من إعداد الباحث 
" محمد الهادي "
جميع الحقوق محفوظة
Menapreneur.com©




الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *