إقتصاد المنصّات الرقمية : هل ستتحسن حياتنا إلى الأفضل أم ستزداد تعقيدا ؟

المنصّات الرقمية,إقتصاد المنصّات الرقمية,شركات رقمية, سلبيات المنصات الرقمية ,سلبيات إقتصاد المنصّات الرقمية






منذ عشرون سنة تقريبا, مكنّت شبكة الأنترنت من إنتشار مواقع التواصل الإجتماعي و مواقع التجارة الألكترونية بالإضافة إلى مواقع الزواج و مواقع الطبخ و المنتديات و مواقع الألعاب...إلخ, و بذلك إعتاد الناس التواصل عن بعد و العمل و المكوث لساعات طويلة أمام شاشة الحاسوب, و مع إنتشار الحواسيب المحمولة و ظهور الهواتف الذكية, إزداد تواجد شعوب العالم إفتراضيا شيئا فشيئا و بشكل تفاعلي رهيب, حتى أصبح الشخص يقضي في أيامنا هذه ما بين 5 و 6 ساعات على الأنترنت يوميا دون ملل, مما زاد حاجة الشركات لتتبع هذا النمط الجديد من الحياة العصرية و تتبع التحول الحاصل في سلوكات المستهلكين و حاجياتهم المتغيّرة بإستمرار.


و مع التطوّر السريع للتكنولوجيا و للغات البرمجة و إزدياد الحاجة إلى رقمنة الوظائف, أصبح جل ما يمارسه الإنسان في حياته يومية يلبّى عن بعد و دون عناء, كالدراسة و التسوّق و اللعب و مشاهدة الأفلام و المسلسلات و حجز الفنادق و تذاكر السفر و العمل بأنواعه و سحب و تحويل الأموال و إستخراج الوثائق المهمة...إلخ. حتى أصبحت تلقّب الشعوب المتقدمة في هذا المجال بالمجتمعات الرقمية و المواطنون الرقميون Digital citizens , لنجد بعض الدول السبّاقة كإستونيا تتيح الفرصة اليوم للمستثمرين و الأدمغة من الشباب في العالم للهجرة إليها عبر منصة الحكومة الرقمية و الحصول على الجنسية و الإقامة الرقمية و ممارسة أي نشاط تجاري عن بعد دون الحاجة للسفر و التواجد على التراب الأستوني.


في المقابل, أثار هذا النمط الرقمي السريع صيحة عديد الجهات و المنظمات العالمية لما لهذه التطبيقات الترفيهية و الإستعمال المفرط لمواقع الأنترنت طوال اليوم من أضرار صحية و آثار جانبية على دماغ الإنسان و خاصة الأطفال بسبب ذبذبات و موجات الوايفاي, حيث ظهرت في السنوات الماضية عديد حالات الهلوسة و الإنتحار في صفوف الأطفال و المراهقين بسبب الألعاب الممنهجة القتالية و المؤثرة نفسيا, و عزوف البعض الآخر عن الدراسة و اللعب حتى أثناء الدرس في المدارس و المعاهد مما أثار إستنكار المعلمين و الأساتذة لهذا السلوك المتفشي بين التلاميذ و إزدياد حالات التهوّر و الإظطرابات النفسية و العنف في الساحات, ناهيك عن بعض حالات الإكتئاب و الإنزواء و خيبات الأمل في صفوف الشباب جراء الإنشغال المفرط بالكسب السريع و طول ساعات العمل الزهيدة.


و من جهة أخرى, تتزايد تطبيقات التوظيف الصغير و منصات العمل الحر يوما بعد يوم لرقمنة عدة مهن و خدمات مهمشة و لتوظّف من خلالها المئات و الآلاف في آن واحد, و على عكس ما هو ظاهر من إيجابيات لهذا التحول في عملية توظيف الأشخاص و المهنيين و الحرفيين, تبقى الإشكالية الكبرى و المطروحة حاليا في التشريعات و القوانين المعمول بها دوليا لما تحتويه من ثغرات ليست في مصلحة أغلب مستخدمي هذه المنصّات خاصة فيما يخص طبيعة عقود العمل و إنخراطهم في الصناديق الإجتماعية و كذلك مستقبل التأمين الصحي و التأمين من مخاطر الشغل و من حوادث الطرقات, بالإضافة إلى مشاكل قرصنة البطاقات الإئتمانية و حماية المعطيات الشخصية و خصوصية البيانات و هضم الحقوق في حالات النزاع.


و بينما الشركات التجارية و المصانع الكبرى في تحوّل مستمر, يطوّر بعض المخترعين الصينيين منصّات طبية عن بعد لروبوتات في غرف مجهزّة بشاشات ليقوموا بعمليات جراحية معقدة في أي مستشفى عصري دون الحاجة للتنقل, و آخرون يطوّرون مطاعم مؤتمتة بروبوتات دون الحاجة لطباخين و غيرها من التحولات العجيبة للوظائف, و هنا ليس علينا نكران هذا التقدم الخارق بما أنه أصبح اليوم حقيقة سنعيشها في المستقبل القريب, و لكن وجب علينا الإستعداد الجدّي للتعلّم و التأقلم مع متطلبات عصر الثورة الصناعية الرابعة و مخرجات تكنولوجيا الذكاء الإصطناعي و أنترنت الأشياء لما فيه خير للبشرية مع وجوب الحذر دائما قبل و بعد الإستعمال.




مقال من إعداد
[ الباحث محمد الهادي ]
جميع الحقوق محفوظة
©Menapreneur.com