تغير مفهوم العمل, إصنع وظيفتك المفضّلة بنفسك الآن و قل وداعا للبطالة | الباحث محمد الهادي





            designed by freepik 






أهلا بكم, و مع مقال جديد من سلسلة عصر غيّر المفاهيم التي لاقت إستحسان العديد من قرّائنا الأفاضل, و نتطرق فيها كالعادة إلى تغيّر مفهوم من المفاهيم الإقتصادية التي تعايشنا منذ قرون و التي يجب أخذ هذه التغيرات التي تطرأ على المفاهيم بعين الإعتبار, فحسب موقع ويكيبيديا فإن العمل هو " الطاقة أو الجهد الحركي أو الفكري الذي يبذله الإنسان من أجل تحصيل أو إنتاج ما يؤدي إلى إشباع حاجة معينة من حاجاته الطبيعية من السلع و الخدمات ".

و أما عن تعريفنا الشخصي لمفهوم العمل : " فهو عملية إلتقاء مجموعة الأفكار و الأوامر المتنوعة و المنتظمة مع التنفيذ التطبيقي البشري أو الآلي, و تؤدي هذه العملية في الحين أو بعد وقت محدد إلى إنتاج سلعة أو مادة أو بناء أو خدمة ما تلبي حاجيات و رغبات من يطلبها من أفراد أو منظمات بمقابل مادي أو معنوي."

و من خلال هذا التعريف الشخصي و المعاصر, أدركنا إذن أن العمل أصبح ينقسم إلى أنواع مختلفة حسب نوع الفاعل ( بشر / آلة ) و حسب المقابل ( مادي / معنوي), و حسب المدة أو الوقت ( حيني / مؤجل ) , و لتحقيق ذلك العمل و الغاية المرجوة منه أكانت حركية أو حسية أو فكرية أو إستحسان مجتمعي, فقد يتطلب الأمر مجموعة من الشروط  كالمكان و الزمان و الأدوات و المهارات.

فبعد الحروب العالمية, و مع بداية تشكيل عصر الإستقلال للشعوب و ما يسمى بمؤسسات الدولة, بدأ إنتشار المدارس و إجبارية التعليم في العالم كأداة ضرورية لتطور الإنسان و المجتمعات و إنتشار فكرة العمل لدى الدولة و مؤسساتها, حينها لم يكن التعليم في متناول الجميع لعدة أسباب, و كانت الإختصاصات الوظيفية محدودة , فإما أن تكون إداريا أو معلما أو طبيبا أو سائقا أو شرطيا أو صاحب ورشة صناعية أو شركة صغيرة , فكانت أغلب الوظائف المطلوبة وظائف متكررة أو مهن يدوية بسيطة تتطلب مهارات سهلة تكتسب معظمها عبر الممارسة المباشرة, أو حرف و صناعات تلبي حاجيات مجتمعات محددة و صغيرة. و مع إنفتاح العالم و ما أحدثته الثورة الصناعية الثانية و الثالثة ,أصبح مفهوم العمل مختلفا بإختلاف الغايات و الحاجيات المتجددة للأفراد و المجتمعات و الشركات و أصحاب رؤوس الأموال.

قديما, كانت الحياة بسيطة في مجملها , و كانت الشعوب تنعم أغلبها ببعض الآمان المؤقت و بقلة الإنفتاح على الخارج, لذلك لم تكن هنالك تحديات إجتماعية و إقتصادية كبرى و مشتركة كما هو الحال اليوم, و كانت الوظائف و الأجور تلبي حاجيات المستهلكين دون عناء و مشقة , و كان الكثيرون لديهم أوقات فراغ كثيرة يملؤونها بهوايات ككرة القدم و الرسم و الموسيقى ..إلخ, و بالتوازي لم تكن الحاجة لإمتلاك منزل أو سيارة أو السفر, أو المساهمة في تحديات المستقبل من أولويات الناس في ذلك العصر.

اليوم, و مع الثورة الصناعية الرابعة الرقمية التي يشهدها العالم و إنفتاح الدول على بعضها ثقافيا و إقتصاديا و إجتماعيا, أصبح التواصل و التعليم و التدريب و تطوير المهارات و إيجاد الفرص سهل المنال, فبمجرد الولوج إلى محرك البحث قوقل على شبكة الأنترنت بحاسوبك أو عن طريق هاتفك الذكي و كتابة مثلا "منصة تعليم مجانية" و بضغطة زر واحدة تجد نفسك أمام عشرات المواقع التعليمية التي تقدم دورات تدريبية و محاضرات و معلومات قيّمة بالفيديو و بكافة اللغات, كانت في الماضي تكلفك الكثير من الوقت و المال و الجهد للحصول على ربعها فقط. 

و بالتالي لم يعد للجهل و التخلف العلمي الآن مبررات, لقد أصبح بإمكانك و في أي مكان و زمان شئت تعلم لغات و مهارات جديدة بشكل مستمر و سريع و بشكل شبه مجاني أحيانا, بالإضافة إلى فرص العمل عن بعد و فرص الهجرة الإقليمية و التكامل الإقتصادي بين الكفاءات من الباحثين و المخترعين و أصحاب الشركات الناشئة . أما عن أوقات الفراغ و المساهمة في العمل الخيري و التطوعي, فالحاجة أصبحت أكبر من ذي قبل لمزيد ربط العلاقات و كسب الخبرات .

في المقابل, و جراء الثورة الرقمية و أتمتة عديد المهام و الوظائف البشرية التي تشهدها عديد القطاعات الصناعية و الخدماتية, أصبح تطوير المهارات و تعدد الإختصاصات و المعارف للشخص الواحد أمر ضروري بعدما كان يعتبر أمر سلبي فيوصف الكثيرون بالشتات, و ذلك لمجابهة التحديات الحياتية و الوظيفية التي تهدد مئات الآلاف من الوظائف حول العالم, هذا و أن الشركات الحديثة اليوم أصبحت تعتمد على المهارات الفريدة و المواهب المبدعة أكثر من مجرد شهادات و سيرة ذاتية, و أفضل ما في الأمر هو تكامل تلك المهارات و التخصصات فيما بيها من أجل خلق أسلوب عمل جديد أو إبتكار منتج أو فكرة مشروع جديدة.

و مع كثرة المعلومات و تنوع الخبرات, أصبحت إنتاجية الفرد أكبر مما كانت عليه من ذي قبل, لقد أصبح بإمكانك مزاولة عدة وظائف في نفس اليوم أو في نهاية الأسبوع كالبيع و التسويق الألكتروني للمنتجات و الخدمات, البيع الإجتماعي مع شركات التسويق الشبكي ,أو العمل المستقل عبر الأنترنت كالتعليم و التوجيه و تصميم المواقع, أو الإستثمار في الشركات و مشاركة الأرباح, و الحصول على مصادر دخل متنوعة , مما سيساهم في إرتفاع الدخل لدى العديد من الأفراد و العائلات, لكن و مع تزايد الحاجيات و الرغبات الإستهلاكية الجنونية لدى البعض , لم يعد ينتبه العديد من المواطنين الرقميين في عصرنا و أيامنا المتسارعة لحاجتهم ربما للإدخار و التقليل من الإستهلاك المفرط .

إن ما يعيق العديد من العاطلين عن العمل من الشباب في الحقيقة ليست الدولة و لا نقص عروض الوظائف, إنهم ببساطة عاطلون عن التفكير بإنسجام و جدية مع محيطهم في غياب ثقافة التأطير العملي و التخطيط الإستراتيجي, إذ لا يريد الأغلبية منهم إستيعاب فكرة أن العالم يتغيّر و سياسات الدول تتغيّر و طبيعة الوظائف تتغيّر و حتى ما يسمى بمؤسسات الدولة ستتغيّر و ستقلل الوظائف في الإدارات العمومية , و لن تعد الوظيفة الحكومية تمثل حلم العديد في المستقبل, 

إذن, لم يعد التشغيل من مهام الدولة بشكل مباشر, و لأن الشباب العربي و مع الأوضاع الضبابية و المتقلبة جراء الثورات الشعبية, لازال غير واع شعوريا و ناضج فكريا تجاه التغيرات في المفاهيم الحاصلة في العالم الآن, لذلك وجب التفطن المبكر لأهمية تحقيق الذات بعيدا عن الصراعات الوهمية و الإعتصامات المضيّعة للوقت لأن القوانين الجديدة و المتاحة حاليا و القادمة في بلداننا العربية خاصة و كغيرها من دول العالم الموضوعة من أجل أهداف التنمية المستدامة المشتركة, تحفّز و بشكل صريح على خلق الثروة و القيمة المضافة و على الإستقلالية المالية للأفراد للتقليل من دور الدولة و التفرغ  لمجابهة التحديات الأكثر تعقيدا.

 إن ما يمسّ حياة الإنسان بشكل مباشر اليوم من تعليم و صحة و تشغيل و ترفيه إلخ, أصبح مسؤولية الجميع دون إستثناء, أي من مسؤوليات جميع مكونات المجتمع, من بلديات و جمعيات و مراكز تأهيل و إندماج و إعادة تأهيل مهني و حاضنات أعمال و لا ننسى دور الشركات الناشئة الهام و الرئيسي في تطوير المجتمعات و إيجاد حلول للعراقيل و التحديات و أولها التشغيل.

و في الأثناء, يتّهم العديد من المتلقّين للمعلومة بشكل سطحي الرقمنة و الأتمتة بالسلبية و الخطورة على مستقبل الوظائف, إلا أن كل باحث و متعمّق في آثار العصر الرقمي الحالي يجد بأن ألاف الوظائف يتم خلقها سنويا بالتوازي مع كل أتمتة أو رقمنة جديدة لقطاع ما, و كل عملية معالجة لأزمة أو لتحدي إقتصادي أو إجتماعي جديد ينتج عنه مباشرة عشرات و مئات الوظائف, و لكن يبقى التحدّي حاليا في التكوين و إعادة التأهيل المهني نحو الوظائف الجديدة بشكل سريع.

لقد أصبحت عملية خلق و صناعة الوظائف اليوم بيد الأفراد و المجتمعات كما ذكرنا, و الشخص الواع في زماننا هذا هو من يؤمن بقدراته الإبداعية للنخاع من أجل صناعة وظيفته المفضلة التي يحلم بها ( وظيفة كانت أو مشروع صغير ) , و التي تناسب عمره و مهاراته و قدراته البدنية و الفكرية و التي تناسب حتى أوقاته و واجباته العائلية و مواهبه الفنية و أعماله المجتمعية. فهل يتماشى هذا المنهج مع دولنا العربية ؟ بالتأكيد نعم, و الجيد في الأمر و حسب البحوث التي نجريها حاليا على قطاع الأعمال في المنطقة العربية, أن البلدان العربية كثيرة التحديات الإقتصادية و الإجتماعية و هي تمثل فرصا كبيرة و أرضا خصبة و واعدة لنجاح الأعمال الصغيرة المتوسطة , الأمر الذي أدى إلى إطلاق تسمية القارة الإفريقية بالقارة الفرصة عند القوى الإقتصادية و خاصة منهم الصين كأكبر مستثمر في مجال البنى التحتية في إفريقيا و الشرق الأوسط و أوروبا.

و أما عن المشاريع متناهية الصغر ,كالمؤسسات الفردية و التي تسنّ حاليا قوانين عدة في بلداننا العربية مثل قانون المقاول الذاتي بالمغرب و قانون المبادر الذاتي من البيت في تونس, إذ تمثل فرصة للعديد من الشباب للإبداع و التميّز و إقتناص الفرص ,فقد يصبح صناعة الوظائف في البيت في المستقبل القريب أكثر سهولة و أقل تكلفة عبر جهاز حاسوبك فقط و في غرفتك أيضا دون عناء التنقل و غلاء العقارات.

 إبدأ الآن في تطوير مهاراتك التقنية و الإدارية التي يتطلبها سوق الوظائف الجديدة و بعث المشاريع في الأشهر و السنوات القادمة, و ركّز في مجال و إختصاص تراه يتماشى و نسبة الطلب المرتفعة في سوق الخدمات و المنتجات و كن دائما طموحا و كن من المبادرين الأوائل, 

إنطلق الآن بمفردك و بإمكانياتك البسيطة بالتجربة في تأسيس مشروعك الصغير و فكّر دائما في الأمور السهلة التي توصلك للهدف خطوة بخطوة, و أما إن كنت تتمتع بروح العمل الجماعي إلتحق صحبة فريق من أصدقائك بأقرب مركز أعمال أو حاضنة أعمال و أسسوا جميعا شركة صغيرة متميزة متعددة الكفاءات و لا تيأسوا, فسنوات التجارب و التكوين الذاتي شاقة و ممتعة في نفس الوقت ,ستمكنك من مهارات عملية عديدة لم تكتسبها في الجامعة و ستجعلك أكثر شجاعة و ذكاءا و أقل مخاطرة و تعثرا في المستقبل القريب و سيعوّضك النجاح الذي ستحققه بيدك إن شاء الله سنوات إنتظار المجهول و الإعتماد الساذج على الآخرين دون جدوى.





مقال من إعداد الباحث
 " محمد الهادي"
جميع الحقوق محفوظة 
Menapreneur.com©