3 تحديات تعيق نسق الأعمال في تونس أبرزها " التمويل " | الباحث محمد الهادي



       designed by freepik 




لم تتغير الدول المتقدمة و  الصاعدة الحالية من فراغ, فبالرغم من الأوضاع الإقتصادية السلبية المتشابهة عالميا إلا أن عديد الدول إنفردت بتحسين أوضاعها الإقتصادية و الإعتكاف بجدية لإيجاد حلول سريعة و علمية و وضع الشخص المناسب في المكان المناسب, حلول و برامج تجعلها تقلل من تأثير التقلبات الإقتصادية و التحديات الإجتماعية عبر وضع إستراتيجيات و سياسات تعتمد على مفهوم المواطن أولا من أجل قيمة مضافة عالية.

و بما أن التحديات العالمية الإقتصادية الحالية متشابهة في مجملها إلا أنها تختلف في حدتها من دولة لأخرى , و يبقى مؤشر ممارسة الأعمال الصادر سنويا عن مجموعة البنك الدولي أهم المؤشرات التي تقيّم و تحلل بعمق مجهودات الدول في تحسين أوضاعها الداخلية الإقتصادية من أجل تنمية مستدامة .

 و مع بحوثنا المستمرة منذ سنوات و تحليلاتنا للوضع الراهن لقطاع الأعمال في تونس و قربنا من مشاغل الباعثين الشباب , تبقى العراقيل و التحديات كبيرة أمام المستثمرين التونسيين المقيمين بالخارج و الشباب الطموح في الداخل, و على أمل تحسّن بيئة الأعمال و مزيد الشفافية و تشابك المجهودات  للتقليل من البيروقراطية و تسريع الإجراءات الإدارية, نصيغ بالمناسبة أبرز ثلاث تحديات تعيق نسق الأعمال و تنوع المشهد الإقتصادي و الإجتماعي في تونس.


1) التمويل :



بالرغم من تعدد و تنوع المؤسسات و الشركات المالية في تونس, إلا أنه يبقى التمويل العائق الأول أمام الباعثين الجدد من الباحثين و المبدعين و المخترعين لإطلاق مشاريعهم الخاصة , و ذلك بسبب عدم المراهنة على إبتكارات و شركات الشباب الناشئة التكنولوجية من قبل عديد البنوك و المطالبة بتوفير التمويل الذاتي من جهة أخرى , هذا و نشير إلى ضرورة تحمل مزيد من المخاطرة من أجل تحفيز الإبتكار و التجديد و رسكلة إطارات البنوك العمومية و شركات التمويل من أجل مواكبة التطورات التكنولوجية الحاصلة في قطاع الأعمال و لسهولة التواصل الفعّال مع الشباب و فهم تطلعاتهم و مشاريعهم المجددة .

و بذلك أصبح الشباب يبحثون عن مصادر أخرى للتمويل تتماشى و حاجياتهم و هي السرعة في إسناد القروض  عبر شركات التمويل الصغير أو إقتناء المشتريات من قبل شركات التمويل الإسلامي بالمرابحة, و بالرغم من سهولة الإجراءات و المعاملات مع الشركات القائمة الصغيرة إلا أن هذه الأخيرة تفرض نسب فائدة و ربح عالية مقارنة بفوائد و امتيازات الدفوعات بالبنوك العمومية كبنك التضامن بالنسبة للشركات الجديدة , بالإضافة إلى إجبارية توفر شخص ضامن للموافقة على التمويل الشيء الذي يعيق العديد منهم. 

و بالرغم من التشجيعات و الحوافز المالية على بعث الشركات الناشئة في تونس و انتشار حاضنات الأعمال يبقى التمويل العائق الكبير أمام إطلاق و تطوير هذا النوع من الشركات التي تتسم بالمخاطرة و السرعة في التطور و التوسع, حيث يظلم البعض بالإنتظار المطوّل لإيجاد مصدر تمويل يتوافق مع توجهات و خصوصية الشركة, و يتسبب  بالخسارة السوقية و المالية للبعض الآخر نظرا للمنافسة الشديدة بين الشركات الناشئة التونسية و العربية و الأجنبية.


و أما إذا نظرنا لبيئات الأعمال في دول الغرب كالولايات المتحدة و أوروبا و آسيا , نجد أن التمويل يبقى العائق الأكبر كذلك أمام الشباب إلا أنه بدرجة حدة أقل مما عليه الحال في دولنا العربية, وذلك لتنوع مصادر و أساليب و أليات التمويل الرقمية التي تسمح بالحصول على التمويل في غضون أيام قلية لا تتجاوز الثلاث أيام أحيانا و نذكر منها منصات التمويل الجماعي و منصات الإستثمار المباشر و الإقراض و نوادي رجال الأعمال و جمعيات المستثمرين الملائكيين و المسابقات و المعارض و الملتقيات ...إلخ


2) التكوين و المرافقة :



بعد التمويل يأتي التكوين و المرافقة كأحد العوائق التي تحول دون تطور نسق الأعمال و إطلاق المشاريع الجديدة في تونس, و بالرغم من وجود آليات للإحاطة و المرافقة إلا أن هذه الأخيرة تفتقر للتجديد و إعادة الهيكلة في مضامينها و سياساتها لتواكب متطلبات العصر و حاجيات و رغبات الشباب و الواقع المعيش, بالإضافة إلى غياب إطارات دائمين مرافقين و مبسطين و متخصصين في المجالات الحديثة التكنولوجية و القانونية في عديد محاضن المؤسسات و مراكز الأعمال للمساهمة الدقيقة  في تأطير و توجيه الشباب و الباحثين و المخترعين.

و يعد التكوين و التدريب ركيزة أساسية لتأهيل الباعثين و رواد الأعمال لضمان إنخراطهم السليم في قطاع الأعمال و تحقيق القيمة المضافة المرجوة و خلق الثروة و التقليل من المخاطر و العراقيل التي قد تطرأ خاصة في السنوات الأولى من الإنطلاق.

و إضافة إلى إنتشار مراكز التكوين و التدريب الخاصة  يبقى التحدي الأكبر هو في إيجاد إطارات أكفاء ذوات تجارب معمقة و خبرات بحثية و إستشرافية لإثراء البرامج التكوينية و المعطيات و النصائح و التوجيهات الدقيقة الخاصة بقطاع الأعمال الرقمي .

و بالرغم من وجود ألية تأهيل الباعثين الخاصة بمكاتب التشغيل و فضاءات المبادرة المعروفة بإسم دورة CEFE  إلا أنها غير متاحة للجميع و في كل الأوقات بالإضافة إلى أن محتوى هذه الدورة التدريبية يفتقر هو الآخر للتحيين و إضافة مناهج علمية جديدة  لتتماشى و التطورات الخاصة بالأفراد و الشركات و رؤى الدول على حد سواء.

 هذا و أننا على مشارف تحول العالم لقرية صغيرة في المستقبل القريب, مع وجوب التفطن المبكر للعراقيل و التحديات و نحن نشهد خاصة في هذه الأيام عصر تغيّر المفاهيم و السياسات الاقتصادية الدولية , نذكر على سبيل المثال تغير رغبات و حاجيات الجيل الجديد من المستهلكين الرقميين, الرقمنة و الأتمتة في جميع القطاعات الإدارية و الصناعية و تحديات خلق الوظائف الجديدة , توجهات بناء المدن الذكية و تحديات ندرة الموارد و الطاقة المتجددة ..إلخ.



3) الإنفتاح الإقتصادي و الرقمي على الخارج :





بالرغم من تحسن تصنيف تونس في مؤشر ممارسة الأعمال و حصولها على المرتبة 80 عالميا و الخامسة عربيا سنة 2019 يبقى الإنفتاح الإقتصادي و الرقمي على الخارج عائقا هاما أمام إنفتاح الشركات التونسية و مبادرات و شركات الشباب الناشئة على محيطهم الإقليمي و الدولي, و يبقى التعامل مجرد إنفتاح تقليدي على الجارات ليبيا و الجزائر و المغرب و مصر و بعض الدول الأوروبية من حيث الإستيراد و التصدير للمنتجات الفلاحية و المواد الغذائية و بعض السلع و المواد الصناعية دون سياسات جادة في التجديد نحو التعاملات الرقمية  في عديد المجالات الحديثة كالعملات الرقمية و البنوك الألكترونية الدولية كبنك PAYPAL لتسهيل تحويل و إستلام الأموال,

 و يرجع ذلك كله لعدة أسباب أهمها تأخر التحول الرقمي لعدة قطاعات حيوية أبرزها الإتصالات فائقة السرعة و الخدمات المالية و القانونية و الإدارية الرقمية  بالإضافة إلى ضعف معدل الإتفاقيات التجارية الإستراتيجية و صعوبة التنقل البري و البحري و الجوي مع عديد الوجهات الإقليمية ناهيك عن تحديات الحصول على تأشيرة دخول عديد الدول كالإتحاد الأوروبي .

و مع الصحوة الإقتصادية لدول القارة الإفريقية خاصة دول جنوب الصحراء, قاربت نسبة النمو السنوي في بعض الدول الــ 6 و 7 و 8 بالمئة , و نذكر على سبيل المثال منها أثيوبيا و رواندا و كينيا و تنزانيا, حيث بدأ يزداد الوضع تعقيدا أمام الشركات التونسية نظرا للإنفتاح المبكر لعديد الدول الإفريقية على محيطها الخارجي مع الصين و الهند من جهة القارة الآسيوية و البرازيل و الأرجنتين و المكسيك من جهة القارة الأمريكية بالإضافة إلى تعزيز العلاقات الإقتصادية مع شركائهم التقليديين من القارة الأوروبية كفرنسا و ألمانيا و إيطاليا , و مد الجسور مع تركيا و روسيا كشركاء جدد لدول القارة السمراء الصاعدة.












هذا المقال من إعداد الباحث
 " محمد الهادي "
جميع الحقوق محفوظة 
Menapreneur.com©