تغيّر مفهوم الإستشارة .. عندما يصطدم السائد و المألوف بالبحوث و الدراسات الإستشرافية _ الباحث محمد الهادي







أهلا بكم, و مع مقال جديد نستكمل فيه شروحاتنا لمجموعة مقالات سلسلة عصر تغيّر المفاهيم, نبسط من خلالها للقارئ العربي بالأساس ما تيسّر من معارف و معلومات تهم عصره و شؤونه الإجتماعية و الإقتصادية, و التي بدونها لن يستطيع التأقلم و التفاعل بإيجابية مع محيطه الخاص و العام في الحاضر المتقلب و المستقبل القريب , و الظهور في أفضل صورة عند إلتقائه بمن هم على نفس درجة الوعي الفكري من أبناء جيله من البلدان المتقدمة.

ففي حين أن عالمنا العربي و الإسلامي مازال يستمد مفاهيمه من تجارب و مؤلفات من سبقونا في مجال البحث العلمي و الإبداع الأدبي, حيث نشأ جيل من الطلبة و الباحثين و أصحاب القرار يظنون أن لا مصدر للتطوير و التجديد سوى بالبحث في الماضي و الإعتماد الكلي على نظريات و إجتهادات لم تعد تهم إلا عصرها و وقائعها, يعتمد شق آخر على كتابات و نظريات مفكرين أجانب أو مستشرقين ليس لهم دراية عميقة عن ماهية المنطقة العربية و مستقبلها و طبيعة سكانها, و إستعمالها دون أدنى تفكّر , و مهما حاولت الأغلبية تبرير مواقفهم تضل معظمها مجرد فرضيات و إجتهادات قابلة للتحيين و التغيير في كل الأزمنة. 

و هنا تكمن الإشكالية حيث أنّه لا يقبل حوالي 85 % من المتلقيّن جل ما يقدم من نصائح مبنية على الإستشراف لأنها تصطدم بدرجة كبرى مع ما تم الإستئناس به و السائد و المألوف في أذهان العامة, و لأنها تجبرهم ببساطة على مزيد إعمال العقل و الترفيع في مستوى الوعي و التفكير المنطقي , حيث تفضّل الأغلبية في مجتمعاتنا العربية عدم الخوض في مسارات تتسم حسب إعتقاداتهم بإمكانية التقليل من الأنا المتغطرسة لديهم و إخراجهم من منطقة الرضا السلبي الداخلي و الراحة النفسية الوهمية, أو خوض تجارب و أفكار مشاريع إقتصادية جديدة تتسم بالتجديد و الإبتكار و المخاطرة.

و بما أننا نعيش عصر تغيّر المفاهيم و الرقمنة في كل المجالات, و الإعتماد على البرمجيات و الخوارزميات و الآلات ذاتية التعلّم في جمع و تحليل البيانات, أصبح الإستشراف و البحوث المستقبلية هي أساس الإستثمار في العلوم و البرامج و مخططات و رؤى الدول و الشركات و الأفراد على حد سواء , حيث أطلقت بعض الدول العربية مؤخرا و  بمساعدة خبرائها الإستشرافين و المواكبين للتغيرات بعض الرؤى و التصوّرات الوطنية مثل رؤية المملكة السعودية 2030 و رؤية عمان 2040 و عبر مبادرات فردية مثل رؤية تونس 2040 للدكتور ماهر خضر مؤسس و رئيس المبادرة العالمية للحكمة .

 و كغيره من المفاهيم, أصبح مفهوم النصيحة و الإستشارة يعتمد بالضرورة على نتائج البحوث و الدراسات التي تجرى في الغرض و بشكل حيني في بعض الحالات عند بعض الشركات الكبرى كقوقل و فيسبوك و أمازون و غيرهم, لتؤثر نتائجها في سلوكات المستهلكين و مستخدمي الأدوات الرقمية أحيانا و تستدرج فرضيات العقل البشري و سلوكاته المفاجئة أحيانا أخرى.

و هنا نحيط السادة القرّاء و المتابعين الأكارم علما بأننا لا ندعوا في جميع مقالاتنا إلى الإقصاء الكلي للمعارف و المعطيات السابقة و إجتهادات أساتذتنا و علمائنا الكبار, فهذا خطأ ظنّي كبير ليس لنا فيه أي علاقة لإمكانية تأويل مقاصد السلسلة, و لكننا ننوّه بأنه وجب الأخذ بعين الإعتبار عند تقديم النصيحة و الإستشارة بمفهومها الشامل من طرف الخبراء و مكاتب الإستشارات, للعامة و للشركات , جميع التحولات و التغيرات التي تشهدها عديد المفاهيم و أدوات و أساليب البحث العلمي و التخطيط الإستراتيجي في عصرنا الحالي, و التي ستوصلنا عند إكتشافها و تمكين أصحاب القرار و إختصاصيّي التنفيذ منها إلى أفضل النتائج عند إطلاق أو تطوير أي مشروع معرفي أو إقتصادي, أو أي إشكالية إجتماعية , عبر أفضل إستعمال لأدوات التحليل و الإستنتاج و التوظيف.



هذا المقال من إعداد الباحث " محمد الهادي "
شكرا على زيارة موقعنا
جميع الحقوق محفوظة
  MENAPRENEUR.COM ©