تغيّر مفهوم المنافسة, أحد أبرز تغيرات المفاهيم في مجال الأعمال و عالم الشركات الناشئة | الباحث محمد الهادي




أهلا بكم مع سلسلة عصر تغيّر المفاهيم في عصر الرقمنة, و نستهل مقالنا اليوم بكشف تغير إحدى المفاهيم الإقتصادية الأخرى و التي لطالما قرأنا و سمعنا عنه الكثير في مادة تاريخ الإقتصاد و في مجال الأعمال في أيامنا الماضية.

هذا و قد شهد العالم بأسره دخول حقبة جديدة تؤسس لمستقبل موّحد أكثر تقارب و إنسجام, منذ حوالي 18 سنة , حيث إنفتحت الدول على أسس و مبادئ الإقتصاد الرقمي بعد التسهيلات التي منحتها شبكة الانترنت و الهاتف المحمول للعالم, و الذي كان و لايزال يبهرنا روّاده من خلال إبتكاراتهم و إختراعاتهم, و ظهور ما يسمى بالشركات الناشئة ذات القدرة التكنولوجية و الإستشرافية العالية في معالجة العراقيل و التحديات و قدرتها الإستراتيجية في التوسع و إقناع  أصحاب رؤوس الأموال العابرة للقارات للإستثمار و تمويل تلك التوجهات و المشاريع الرائدة.

و على عكس ما كنّا نعتقده عن مجال الأعمال في السابق و مفهوم المنافسة الذي يعتمد أساسا على إحتكار المواد الأولية و إحتكار العلاقات و رؤوس الأموال و الذي بقي يخص الصناعات الكبرى كقطاع النفط و الصلب و المناجم و الصناعات الغذائية, أصبح هذا المفهوم تقريبا منعدم الوجود بعد إنتشار مفهوم الشركات الناشئة التي أصبحت تراود أحلام الشباب في العالم أجمع بدوله المتقدمة و النامية و المنعدمة التنمية, و حتى هذه التصنيفات لم تعد ذات معيار حقيقي لتحديد مدى تقدم و تخلف الشعوب نظرا لتسارع نسق النمو و نسق الرقمنة و تشييد البنية التحتية الرهيب في عدة دول و سهولة الولوج لمنصات التعليم الألكتروني و التكوين الذاتي عن بعد أصبحت العلوم متاحة للجميع و بشكل شبه مجاني, و نخص بالذكر القارة الإفريقية و دول جنوب الصحراء, ككينيا و أثيوبيا و تانزانيا و نيجيريا و غانا و السينيغال و غيرهم, حيث فاقت مؤشرات التنمية لديها عديد البلدان العربية بنسب النمو سنوية قاربت الــ 8% في سنة 2018 حسب المؤشر العالمي للنمو الاقتصادي للدول  .

و مع سهولة تحرك الثروة النقدية و تحسن بيئات الأعمال و التشجيع على الإستثمار و المبادرة الخاصة في ضل إرتفاع نسب البطالة خاصة في صفوف الشباب من خرجي الجامعات, أصبح بعث شركة ناشئة لا يتطلب سوى بعض المال و فريق عمل مختص في برمجة المواقع و التطبيقات لينشؤوا شركتهم الخاصة و المضي و الإشعاع  بها خارج حدود الوطن.

و بينما كان هذا النوع من الشركات في السابق يمثل تهديدا و منافسة سلبية لبعض الشركات الصغرى و المتوسطة , أصبح اليوم يمثل عاملا إيجابيا و مصدر حلول ناجعة للخروج من الركود الإقتصادي المزمن الذي تعيشه عديد القطاعات , خاصة بعد الأزمة الإقتصادية العالمية لسنة 2008 , عبر توسيع نطاع أعمالها و خلق أسواق جديدة و فرص شغل و تحريك عجلة التنمية و تقليص النفقات, و بالتالي أصبحت الشركات الناشئة عاملا أساسيا للتنمية لمستقبل الشعوب في العالم , فمن لا يمهد الطريق منهم اليوم لهذا النوع من الشركات و منح التمويلات الضرورية في أقرب فرصة للإستفادة من عقول و مواهب الشباب سوف لن يكون له حاضر و لا مستقبل بكل بساطة.

و مع تسارع  تطوير لغات البرمجة و الأجهزة و الحواسيب و البرمجيات و أنترنتة الأشياء و البلوكتشين و العملات الرقمية و القدرة الهائلة على جمع و تخزين و تحليل البيانات السحابي , أصبحت الشركات الناشئة و الشركات الصغرى و المتوسطة أكثر إندماجا و إنسجاما تخدم بعضها البعض محققة مبدئ الربح للجميع بعيدا عن مفهوم المنافسة القديم, الذي يتسم بالإحتكار كما أشرنا سابقا و تعطيل المصالح و التقليد و التجسس إلخ. حيث يصل الأمر إلى إنصهار عدة شركات فيما بينها و إستحواذ أخرى على زميلتها بصفقات خيالية, و بالرغم من هذا التوجه الإيجابي في المعاملات بين الشركات يبقى أمام بلداننا العربية شوطا كبيرا حتى نعتاد على ثقافة التشاركية في الأعمال التي تنعدم في أغلب مجتمعاتنا للأسف.

إذن, فالأفضلية اليوم ليس للأول و لا الأخير , بل لمن يركّز على تطوير ذاته داخليا و تثمين مجهوداته و قدراته البشرية و المالية عبر التشبيك الإستراتيجي و إستشراف المستقبل و إنشاء المخابر و مراكز البحوث الخاصة و عبر توظيف أفضل الطرق الناجعة لخدمة العملاء و الإنفراد التسويقي و التميز الإداري و بناء علامات تجارية تتكيّف مع تطور الأسواق و المتغيرات و المبنية على دراسات محلية دقيقة و ليس عبر إسقاط أفكار مشاريع من الخارج دون مطابقتها للأسواق المحلية و لمدى طبيعة سلوك المستهلكين و ثقافاتهم و دون الإلمام بحقيقة مشاكل القطاعات , و بالتالي فمن سيضيع وقته في التقليد الأعمى للغرب دون علم و دراية بعصر تغير المفاهيم و دون رؤية إستشرافية للمستقبل و روح تعاونية ذكية حتما سيجد نفسه خارج الطريق معرضا نفسه لخسائر مالية كبرى بعد بضع شهور من الإنطلاق. 


#محمد_الهادي
#عصر_تغيّر_المفاهيم




شكرا على زيارة موقعنا
جميع الحقوق محفوظة ©