تغيّر مفهوم المنافسة : أحد إستراتيجيات التنمية في عالم الشركات الناشئة

تغيّر مفهوم المنافسة : أحد إستراتيجيات التنمية في عالم الشركات الناشئة






أهلا بكم مع سلسلة عصر تغيّر المفاهيم في عصر الرقمنة, و نستهل مقالنا اليوم بكشف تغير إحدى المفاهيم الإقتصادية الأخرى و التي لطالما قرأنا و سمعنا عنها الكثير في مادة الإقتصاد و في مجال الأعمال. هذا و قد شهد العالم بأسره دخول حقبة جديدة تؤسس لمستقبل موّحد أكثر تقارب و إنسجام, منذ حوالي 20 عاما , حيث إنفتحت الدول على أسس و مبادئ الإقتصاد الرقمي بعد التسهيلات الحياتية التي منحتها شبكة الانترنت و الهاتف المحمول للعالم, و الذي كان و لايزال يبهرنا روّاده من خلال إبتكاراتهم و إختراعاتهم كأنترنت الأشياء و غيرها, و ظهور ما يسمى بالشركات الناشئة ذات القدرة التكنولوجية و الإستشرافية العالية في التجديد و الصناعة و توظيف القيمة بالإضافة إلى قدرتها الإستراتيجية في التوسع و إقناع  أصحاب رؤوس الأموال العابرة للقارات.

و على عكس ما كنّا نعتقده عن مجال الأعمال في السابق عن مفهوم المنافسة الذي يعتمد أساسا على إحتكار المواد الأولية  و إحتكار العلاقات و رؤوس الأموال و الذي بقي يخص الصناعات الكبرى كقطاع النفط و الصلب و المناجم و الصناعات الغذائية, أصبح هذا المفهوم تقريبا منعدم الوجود بعد إنتشار مفهوم الشركات الناشئة التي أصبحت تراود أحلام الشباب في العالم أجمع بدوله المتقدمة و النامية,  نظرا لتسارع نسق النمو و نسق الرقمنة و تشييد البنية التحتية الرهيب في عدة دول و سهولة الولوج لمنصات التعليم الألكتروني و التكوين الذاتي عن بعد أصبحت العلوم متاحة للجميع و بشكل شبه مجاني, و نخص بالذكر القارة الإفريقية و دول جنوب الصحراء, ككينيا و أثيوبيا و تانزانيا و نيجيريا و غانا و السينيغال و غيرهم, حيث فاقت مؤشرات التنمية لديها عديد البلدان العربية بنسب النمو سنوية قاربت الــ8% في سنة 2018 حسب المؤشر العالمي للنمو الاقتصادي للدول  .

و مع سهولة تحرك الثروة النقدية و تحسن بيئات الأعمال و التشجيع على الإستثمار و المبادرة الخاصة في ضل إرتفاع نسب البطالة خاصة في صفوف الشباب من خرجي الجامعات, أصبح بعث شركة ناشئة لا يتطلب سوى بعض المال و فريق عمل مختص في برمجة المواقع و التطبيقات لينشؤوا شركتهم الخاصة و المضي و الإشعاع  بها خارج حدود الوطن.

و بينما كان هذا النوع من الشركات في السابق يمثل تهديدا و منافسة سلبية لبعض الشركات الصغرى و المتوسطة ,أصبح اليوم يمثل عاملا إيجابيا و مصدر حلول ناجعة للخروج من الركود الإقتصادي المزمن الذي تعيشه عديد القطاعات , خاصة بعد الأزمة الإقتصادية العالمية لسنة 2008 , عبر توسيع نطاق أعمالها و خلق أسواق جديدة و فرص شغل و تحريك عجلة التنمية و تقليص النفقات, و بالتالي أصبحت الشركات الناشئة عاملا أساسيا للتنمية لمستقبل الشعوب في العالم, بالرغم من التحديات القانونية في بعض الدول.

فمن لا يمهد الطريق منهم اليوم لهذا النوع من الشركات و منح التمويلات الضرورية في أقرب فرصة للإستفادة من عقول و مواهب الشباب سوف لن يكون له حاضر و لا مستقبل بكل بساطة, و ستزداد معها هجرة الأدمغة.

و مع تسارع  تطوير لغات البرمجة و الأجهزة و الحواسيب و البرمجيات و الأتمتة و القدرة الهائلة على التصنيع, أصبحت الشركات الناشئة و الشركات الصغرى و المتوسطة أكثر إندماجا و إنسجاما تخدم بعضها البعض محققة مبدئ الربح للجميع بعيدا عن مفهوم المنافسة القديم و تعطيل المصالح و التقليد نحو مزيد التشبيك كما هو الحال في الصين مثلا. حيث يصل الأمر إلى إنصهار عدة شركات فيما بينها و إستحواذ أخرى على زميلتها بصفقات خيالية, و بالرغم من هذا التوجه الإيجابي في المعاملات بين الشركات يبقى أمام بلداننا العربية شوطا كبيرا حتى نعتاد على ثقافة التشاركية في الأعمال و تثمين القيمة.

إذن, فالأفضلية اليوم ليس للأول و لا الأخير في السوق, بل لمن يركّز على تطوير أفكاره و توظيف مجهوداته و قدراته البشرية و المالية في خدمة شركته عبر التشبيك الإستراتيجي و إستشراف المستقبل و إنشاء المخابر و مراكز البحوث الخاصة و عبر توظيف أفضل الطرق الناجعة لخدمة العملاء و الإنفراد التسويقي و التميز التنظيمي الإداري و بناء علامات تجارية تتكيّف مع تطور الأسواق و المتغيرات و المبنية على دراسات محلية دقيقة و ليس عبر إسقاط أفكار مشاريع من الخارج دون مطابقتها للأسواق المحلية و لمدى طبيعة سلوك المستهلكين و ثقافاتهم و دون الإلمام بحقيقة مشاكل القطاعات بحثا عن الشهرة المؤقتة , و بالتالي فمن سيضيع وقته في التقليد الأعمى للأفكار و الأساليب دون علم و دراية بأهمية تغير المفاهيم و دون رؤية عميقة و روح تعاونية محلية و دولية ذكية حتما سيجد نفسه خارج الإستراتيجيات الكبرى و خارج توجهات رؤوس الأموال.








إعداد
[ الباحث محمد الهادي ]
جميع الحقوق محفوظة
Menapreneur.com©

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *