تحديّات الإقتصاد العالمي في سنة 2020 في ضلّ التغيّرات المناخية و التكنولوجية

تحديّات الإقتصاد العالمي في سنة 2020 في ضلّ التغيّرات المناخية و التكنولوجية







منذ 9 سنوات تقريبا بدأ العالم بأسره يشهد تغيّرات إقتصادية و تقلبات سياسية و ديمغرافية, فمناخية, الأمر الذي جعل الصورة العامة للمستقبل تبدو ضبابية عند الكثير من الأشخاص, فكل شيء لم يعد مضمون و مرتقب مثلما كان عليه الأمر سابقا, بمعنى أنه يمكن ليوم مشمس في فصل الصيف مثلا أن يتحوّل فجأة إلى يوم ممطر, و يمكن للصحراء أن تكسوها الثلوج, و أن لا ينزل المطر في فصل الشتاء لأيام طويلة, و هنا تتعدد الأسباب و التحليلات, و قد رجحت عديد المنظمات الدولية أن هته التغيرات المناخية سببها التلوّث البيئي و الإستعمال و الإستخراج المفرط للنفط و الغاز الطبيعي , و هي تسعى الآن جاهدة لترشيد إستخراج و إستعمال الطاقة حول العالم خاصة لدى الدول الصناعية و المنتجة الكبرى, لتتحوّل هذه التحديات في بعض الدول إلى فرص لتشجيع الإبتكار و البحث العلمي على إيجاد مصادر طاقة بديلة و نظيفة كالطاقة الشمسية و الهوائية و طاقة أمواج البحر ..إلخ. الأمر الذي زاد من إنتشار مراكز البحوث و الدراسات و إهتمام الطلبة و الباحثين و روّاد الأعمال بدراسة مشكلات الواقع بشكل معمّق و إطلاق شركاتهم الناشئة الصديقة للبيئة.

ديمغرافيا, يشهد العالم كذلك عدة تغيرات, منها تباطئ نسق نمو السكان في بعض المناطق كالولايات المتحدة و كندا و فرنسا و ألمانيا و إيطاليا و بعض دول آسيا كاليابان و كوريا الدنوبية بسبب نقص في المعدل الإنجاب و تنامي حياة الترف, الأمر الذي جعل الكثير من الشباب يعزفون عن الزواج و الإلتزام بتكوين أسر و تحمل مسؤولية تربية الأبناء, أدى ذلك بدوره إلى نقص حاد في عدد السكان و كذلك اليد العاملة, مما جعل عديد الدول تغيّر من توجهاتها و خططها الإستراتيجية الإقتصادية و الإجتماعية لعلها تجد حلول عملية مستعجلة تساعدها على عدم تفاقم الأزمات في المستقبل.

و من التوجهات التي إنتهجتها تلك الدول, نأخذ على سبيل المثال عامل الهجرة, حيث فتحت عديد الدول التي تشهد تهرما سكانيا و تباطئ في نسق نمو السكان ككندا و استراليا و ألمانيا و اليابان حديثا باب الهجرة و الإقامة الدائمة لجلب أكبر عدد ممكن من سكان مناطق أخرى يتّسمون بالديناميكية و الحيوية مركّزين  بالأساس على فئات الشباب  أصحاب الشهادات و الخبرات المهنية و الأسر حديثة التكوين بالإضافة إلى إستقطاب رجال الأعمال و المستثمرين و الشركات الناشئة الشبابية عبر تشجيعات و إمتيازات مالية و جبائية هامة لإطلاق و توسيع أنشطتها, فبمجرد إمتلاك الشخص لفكرة مشروع تتسم بالوضوح و المردودية المالية و خلق فرص عمل جديدة تقدم له الإحاطة و المرافقة اللازمة في أسابيع معدودة ليصل ببعضهم إلى حد إمتلاك جنسية ذلك البلد. 


 و بالرغم من التكلفة التي تتطلبها تلك التوجهات و السياسات الإقتصادية و الإجتماعية من أموال كبيرة من حيث تنظيم و إدماج المهاجرين الجدد و توفير مواطن شغل, و من حيث المعيشة و الغذاء و توفير السكن, يبقى ذلك الخيار الوحيد المجدي و العاجل بالبنسبة لهم رغم تصريحات العديد من المحللين و الخبراء بخصوص إمكانية حدوث أزمة إقتصادية خانقة جديدة خلال الثلاثي الأول من سنة  2020. 

تقنيا, و لتفادي النقص في اليد العاملة, إنتهجت تلك الدول سياسات إقتصادية تتمثل أساسا في رقمنة و أتمتة عديد الوظائف و القطاعات كالصناعات الثقيلة و مصانع الصناعات الغذائية و النقل و الموانئ و بعض الأنشطة الأخرى الخدماتية كجمع و تخزين و تحليل البيانات الضخمة, و إدارة المخزونات و التجارة الألكترونية و خدمات الصحة الرقمية و الفلاحة التكنولوجية, و لا ننسى بالمناسبة ثورة البلوكتشين و التكنولوجيا المالية التي جعلت من البنوك و المؤسسات المالية تراجع سياساتها تجاه تقليل المصاريف و التكيّف مع تغير نمط حياة المستهلكين الرقميين, و بينما أدى هذا التحوّل الإقتصادي إلى إغلاق عدد كبير من الفروع البنكية و الشركات و إقصاء عدد هام من الموظفين, إزدهر في المقابل إقتصاد المنصّات الرقمية و العمل عن بعد و العمل الحر و المستقل.

 و ليلحقوا بصفوة الدول المتقدمة, ينتهج حاليا عديد صنّاع القرار في بعض الإقتصادات الأخرى الصاعدة نفس السياسات كالبرازيل و المكسيك و روسيا و الهند و تركيا و أندونيسيا و ماليزيا و نيجيريا و جنوب أفريقيا, آملين أن يركبوا قطار الرقمنة و الأتمتة سريعا. و لا ننسى أن بلداننا العربية بدأت هي الأخرى منذ سنوات قليل في الإسراع في وضع عديد الإصلاحات و القوانين و الشراكات التي ستمكنها من تفادي التواجد خارج نطاق العولمة و الرقمنة و خارخ التحالفات الدولية, كالإمارات و السعودية و قطر و الأردن و مصر بالنسبة للشرق الأوسط  و تونس و الجزائر و المغرب بالنسبة لشمال أفريقيا.

و رغم التوترات السياسية في منطقتنا العربية و النقص في مصادر التمويل, ساهم هذا التوّجه في التحسّن التدريجي لبيئة ريادة الأعمال و إنتشار ثقافة الشركات الناشئة و نجاح عديد المشاريع, و يعتبر هذا المخطط الإستراتيجية الرئيسية و المحورية لخلق الثروة و للنمو المستقبلي للدول في ضل التراجع التدريجي لدور الدولة الراعية الإجتماعية و الإقتصادية للمجتمعات, مقابل التوجه العالمي نحو الإقتصاد التشاركي بين الأقاليم عبر جعل العالم قرية عالمية تسودها أكثر حرية للمبادلات التجارية و التنقل و السياحة و العمل ..إلخ.

و في المقابل إنعكست كل تلك السياسات و القرارات سلبا تارة و إيجابا تارة أخرى على قطاعات تشهد اليوم أزمات عديدة مثل قطاع التعليم و التكوين حيث أن 45% تقريبا من المهن ستختفي بحلول سنة 2030 و حوالي 60% من شعب مهن المستقبل لا تزال شاغرة و بعضها الآخر غير مدرج في لوائح الشعب التعليمية المتعارف عليها , بالإضافة أن حوالي 800 مليون شخص حول العالم تقريبا مهددون بالبطالة و الإقصاء المهني حسب دراسات أعدها مركز ماكينزي للأبحاث و الإستشارات بالولايات المتحدمة الأمريكية في جانفي 2017 حول تأثير التحول الرقمي و الآلي على سوق العمل و الإنتاجة و كذلك مركز إدفاب للتكوين و الإستشارات في فرنسا سنة 2018.

 و بذلك, بدأ سوق التكوين  المهني و التدريب و التعليم الألكتروني الحر يزدهر بشكل سريع عن طريق إطلاق منصات تعليم ألكترونية من ناحية و إنتشار الجامعات و المعاهد الخاصة و مراكز التكوين و مراكز إعادة التأهيل المهني و المساعدة على الإندماج في سوق الشغل من ناحية أخرى على حساب المعاهد و الجامعات العمومية التي أصبحت تشهد عزوفا من قبل الشباب لتخلف برامجها و طول مساراتها التي ساهمت في تخرّج آلاف أصحاب الشهادات العليا المعطلين عن العمل , و حسب ما جاء في عدة مصادر تشهد الولايات المتحدة على سبيل المثال إغلاق بين 5 و 10 جامعات سنويا مقابل بعث 20  منصة تعليم حرّ تقريبا, و كذلك إغلاق عدة معاهد عمومية في ألمانيا في السنوات الأخيرة حسب مواقع ألمانية رسمية.




مقال من إعداد 
الباحث " محمد الهادي "
شكرا على زيارة موقعنا
جميع الحقوق محفوظة 
Menapreneur.com ©