التغيّرات المناخية و التكنولوجية و تداعياتها على سوق العمل و التكوين , و هجرة الأدمغة و الشركات الناشئة 2020-2030








منذ 9 سنوات تقريبا بدأ العالم بأسره يشهد تغيّرات و تقلبات سياسية و ديمغرافية, فمناخية, الأمر الذي جعل الصورة العامة تبدو ضبابية عند الكثير من الناس. فكل شيء لم يعد مضمون و مرتقب مثلما كان عليه الأمر سابقا, بمعنى أنه يمكن ليوم مشمس في فصل الصيف مثلا أن يتحوّل فجأة إلى يوم ممطر, و يمكن للصحراء أن يكسوها الثلج, و أن لا ينزل المطر في فصل الشتاء, و هنا تتعدد الأسباب و قد رجحت بعض المنظمات الدولية أن هته التغيرات المناخية سببها التلوّث البيئي و الإستعمال و الإستخراج المفرط للنفط و الغاز الطبيعي , و هي تسعى الآن جاهدة لترشيد إستخراج و إستعمال الطاقة حول العالم خاصة لدى الدول الصناعية و المنتجة الكبرى بالإضافة إلى تشجيع الإبتكار و البحث العلمي على إيجاد مصادر طاقة بديلة و نظيفة كالطاقة الشمسية و الهوائية و طاقة أمواج البحر ..إلخ. الأمر الذي زاد من إنتشار مراكز البحوث و الدراسات و إهتمام الطلبة و الباحثين حول العالم بدراسة مشكلات الواقع بشكل معمّق , إذ وجدوا فيها متعة العلم و شغف المعرفة و وضع بصماتهم في الندوات و المؤتمرات العلمية الدولية.

ديمغرافيا, يشهد العالم كذلك عدة تغيرات, منها تباطئ نسق نمو السكان في بعض المناطق كالولايات المتحدة و كندا و فرنسا و ألمانيا و إيطاليا و بعض دول آسيا كاليابان بسبب إرتفاع نسب الوفايات و  إنتشار الأمراض الخبيثة عافانا و عافاكم الله و نقص في المعدل الإنجاب و حياة الترف الأمر الذي جعل من الكثيرين يعزفون عن الزواج و الإلتزام بتكوين أسر و تحمل مسؤولية تربية الأبناء. الأمر الذي أدى بدوره إلى نقص حاد في عدد الأطفال و كذلك اليد العاملة, مما جعل عديد الدول تغيّر من توجهاتها و خططها الإستراتيجية الإقتصادية و الإجتماعية لعلها تجد حلول عملية مستعجلة تساعدها على عدم تفاقم الأزمات في المستقبل.

و من التوجهات التي إنتهجتها تلك الدول, نأخذ على سبيل المثال عامل الهجرة, حيث فتحت عديد الدول التي تشهد تهرما سكانيا و تباطئ في نسق نمو السكان ككندا و استراليا و ألمانيا و اليابان حديثا باب الهجرة و الإقامة الدائمة لجلب أكبر عدد ممكن من سكان مناطق أخرى يتّسمون بالديناميكية و الحيوية مركّزين  بالأساس على فئات الشباب  أصحاب الشهادات و الخبرات المهنية  و الأسر حديثة التكوين بالإضافة إلى إستقطاب رجال الأعمال و المستثمرين و الشركات الناشئة الشبابية عبر تشجيعات و إمتيازات مالية و جبائية هامة, بمجرد إمتلاك الشخص لفكرة مشروع تتسم بالوضوح و المردودية المالية و خلق فرص عمل ليصل بعضها إلى حد إمتلاك جنسية ذلك البلد. الأمر الذي ساهم في التحسّن التدريجي لبيئة ريادة الأعمال و إنتشار ثقافة الشركات الناشئة خاصة في عالمنا العربي رغم النقص في مصادر التمويل ,حيث تعتبر هذه الخطة الإستراتيجية الرئيسية و المحورية لخلق الثروة و للنمو المستقبلي للدول في ضل تراجع دور الدولة الراعية الإجتماعية و الإقتصادية للمجتمعات مقابل التوجه العالمي نحو الإقتصاد التشاركي و حرية الإنتماء و الحرية المالية عبر جعل العالم قرية عالمية تسودها حرية المبادلات التجارية و التنقل و السياحة..إلخ.

تقنيا و لتفادي النقص الكبير في اليد العاملة, إنتهجت تلك الدول سياسات إقتصادية تتمثل أساسا في رقمنة و أتمتة عديد القطاعات كالصناعات الثقيلة و مصانع الصناعات الغذائية و النقل و الموانئ و بعض الأنشطة الأخرى الخدماتية كجمع و تخزين و تحليل البيانات الضخمة, و إدارة المخزونات و التجارة الألكترونية و خدمات الصحة الرقمية و الفلاحة التكنولوجية و التكنولوجيا المالية التي جعلت من البنوك و المؤسسات المالية تراجع سياساتها تجاه تغير نمط حياة الناس و التفكر في حلول عاجلة, التطوّر الذي سيتسبب في اغلاق اكبر عدد من الفروع البنكية و اقصاء عدد هام من الموظفنين ,الأمر الذي جعل من البرمجيات و الروبوتات المتطورة تأخذ مكان الإنسان في أداء المهام اليومية الأكثر تعقيدا, و بالتالي توفر إنتاجية و نسبة نمو أسرع و أعلى.

 و بالرغم من التكلفة التي تتطلبها تلك التوجهات و السياسات الإقتصادية و الإجتماعية من أموال كبيرة من حيث تنظيم و إدماج المهاجرين الجدد و توفير مواطن شغل و من حيث إنتداب الأدمغة و إقتناء و صيانة تلك التكنولوجيات الحديثة, يبقى ذلك الخيار الوحيد المجدي و العاجل بالبنسبة لهم. 

الأمر الذي جعل من صنّاع القرار في بعض الإقتصادات الأخرى الصاعدة تنتهج نفس السياسات كالبرازيل و المكسيك و روسيا و الهند و تركيا و أندونيسيا و نيجيريا و جنوب أفريقيا. آملين أن يركبوا قطار الرقمنة و الأتمتة سريعا ليلحقوا بصفوة الدول المتقدمة. و لا ننسى أن بلداننا العربية بدأت هي الأخرى منذ سنوات قليل في الإسراع في وضع عديد الإصلاحات و القوانين و الشراكات التي ستمكنها من تفادي التواجد خارج نطاق العولمة و الرقمنة الدولية, كالإمارات و السعودية و قطر و الأردن و مصر بالنسبة للشرق الأوسط  و تونس و الجزائر و المغرب بالنسبة لشمال أفريقيا.

و في المقابل إنعكست كل تلك السياسات و القرارات سلبا و إيجابا على قطاعات أخرى تشهد اليوم تخبطات و أزمات عديدة أبرزها قطاع التعليم و التكوين حيث أن 45% تقريبا من المهن ستختفي بحلول سنة 2030 و حوالي 60% من شعب مهن المستقبل لا تزال شاغرة و بعضها الآخر غير مدرج في لوائح الشعب التعليمية المتعارف عليها , بالإضافة أن حوالي 800 مليون شخص حول العالم تقريبا مهددون بالبطالة و الإقصاء المهني حسب دراسات أعدها مركز ماكينزي للأبحاث و الإستشارات بالولايات المتحدمة الأمريكية في جانفي 2017 حول تأثير التحول الرقمي و الآلي على سوق العمل و الإنتاجة و كذلك مركز إدفاب للتكوين و الإستشارات في فرنسا سنة 2018.

 الأمر الذي جعل من سوق التكوين  المهني و التعليم الألكتروني الحر يزدهر بشكل سريع عن طريق إطلاق منصات تعليم ألكترونية عبر الأنترنت و إنتشار الجامعات و المعاهد الخاصة و مراكز التكوين في مهن المستقبل و مراكز إعادة التأهيل المهني و المساعدة على الإندماج في سوق الشغل من ناحية أخرى على حساب المعاهد و الجامعات العمومية التي أصبحت تشهد عزوفا من قبل الشباب العربي خاصة لتخلف برامجها و طول مساراتها التي ساهمت في إخراج جيل كامل من أصحاب الشهادات العليا المعطلين عن العمل , حيث تشهد الولايات المتحدة على سبيل المثال إغلاق بين 15 و 20 جامعة سنويا مقابل بعث بين 20 و 30 منصة تعليم حرّ تقريبا, و إغلاق عدة معاهد في ألمانيا في السنوات الأخيرة.

الأمر الذي أدى إلى إرتفاع نسبة إمتلاك المهارات اللغوية و التقنية و الإبداعية لدى فئات الناشئة و الشباب التي لا تتجاوز أعمارهم غالبا سن الـ17-20 سنة لنجد بعضهم يعمل لدى كبرى شركات التكنولوجية في العالم و البعض الآخر إما بصدد إطلاق مشروعه الخاص عبر الأنترنت و إما بصدد تكوين شركة ناشئة مع مجموعة من أصدقائه المنتشرين حول العالم بعد أن خاضوا تجربة العمل الحرّ و الإستقلالية المالية.




هذ المقال من إعداد الباحث " محمد الهادي "
شكرا على زيارة موقعنا
جميع الحقوق محفوظة ©