بفضل تقنية " الجرّة الرومانية " القديمة .. تتويج زيت الزيتون التونسي البيولوجي بالجائزة الذهبية في لوس أنجلس







داخل كوخ خشبي جميل يعرض محمد بن إسماعيل منتجات زيت زيتون ضيعته البيولوجية الواقعة في قرية توكابر التابعة لمدينة مجاز الباب شمال غربي تونسي، وعلى الرفوف تصطف قنينات الزيت الأنيقة مع ما حازه الرجل من تتويجات نالها في محافل الزيت العالمية.

محمد بن إسماعيل -أو صاحب الجرة- استطاع بفضل إحياء طريقة رومانية ضاربة في التاريخ لري أشجار الزيتون نيل ميدالية ذهبية عن أحسن زيت زيتون صنع بالطرق التقليدية في مسابقة لوس أنجلوس العالمية، والميدالية الفضية والبرونزية في المسابقة نفسها.

ضيعة ابن إسماعيل مزجت بين التاريخ والأصالة، إذ على بعد مرمى حجر منها تقبع "الحوانيت" (تسمية محلية لبيوت أثرية منحوتة في الصخور) التي سكنها الإنسان البدائي وسط الطبيعة العذراء لمنطقة توكابر التي لم تشوهها مظاهر التمدن والحضارة، وحافظت على جل ملامحها.





يقول محمد إن التوجه نحو الزراعة البيولوجية لأشجار الزيتون جعله يعمق البحث عن أفضل الوسائل والطرق الزراعية التي تكفل لضيعته الحد الأقصى من النقاء الطبيعي، ويجعلها بمنأى عن الوسائل الزراعية الحديثة التي تحتوي بالضرورة على نسبة من الملوثات والغازات.




تتمثل التجربة في استحداث جرار فخارية أسطوانية الشكل توضع تحت التراب على مسافة متر من جذع شجرة الزيتون من ثلاث جهات، تكفل هذه الجرار ريا متواصلا ومعتدلا لشجيرات الزيتون، خاصة في المناخ الجاف البعيد عن الموائد المائية تحت الأرض.



ويضيف ابن إسماعيل أن للجرة الرومانية ثلاث مزايا أساسية: أولا الاقتصاد في استهلاك مياه الري بنسبة 60%، ثانيا أنها مصنوعة من الطين لذلك فهي تحافظ على البيئة من التلوث، وثالثا كونها تحفظ شجرة 
الزيتون من آثار الحرارة الصيفية وتحضرها لموسم الجني.






وتضمن الجرة الرومانية نسبة رطوبة عالية تحت الأرض، كما تضمن تفاعلا بين التراب والطين يجعل جذور أشجار الزيتون تمتص المياه بشكل معتدل لمدة تتراوح بين أسبوعين وثلاثة أسابيع حسب درجات حرارة وجفاف الطقس، مما يضاعف جودة المنتوج وكمياته لكل شجرة.




يقول محمد إن تجربته لم تقتصر فقط على الجرة الرومانية، بل امتدت أيضا إلى عدم المساس بالمنظومة البيئية المحيطة بأشجار الزيتون، حيث يعمد إلى ترك الأعشاب التي يعتبرها غيره طفيلية تنمو دون أن يلجا لاقتلاعها، لأنه يعتقد أن الزيت يستمد مذاقه الأصيل من المحيط إجمالا.


يقول محمد بن إسماعيل إن الفوائد التي تجعل زيت الزيتون البيولوجي التونسي مفضلا على غيره من الزيوت في العالم هي احتواؤه على الدهون الصحية الأحادية غير المشبعة التي تسمى حمض الأوليك، والتي تشكل في الأغلب نسبة 73% من إجمالي محتوى الزيت.

وتشير الدراسات إلى أن حمض الأوليك يقلل الالتهاب المزمن المحرك الرئيسي لأمراض مزمنة وخطيرة، مثل السرطانوالأوعية الدموية والقلب والسكري من المستوى الثاني وألزهايمر وآلام المفاصل والسمنة، كما يحتوي زيت الزيتون على كميات كبيرة من مضادات الأكسدة.

إضافة إلى أن زيت الزيتون يساعد على منع السكتات الدماغية التي تحدث بسبب اضطراب تدفق الدم إلى الدماغ، والتي تقلل الدهون الأحادية غير المشبعة خطر الإصابة بها.



تجربة ضيعة توكابر البيولوجية التي تعتمد في كامل تفاصيلها على موروث وتقنيات زراعية تاريخية تعود إلى الرومانيين والقرطاجيين أثبتت أن التألق ليس مرتبطا بالإمكانيات المادية والتقنية الضخمة والمتطورة بقدر ارتباطه بإرادة النجاح عند الإنسان حتى لو كان الثمن جرارا قديمة.




المصدر : الجزيرة